هشام جعيط
52
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
روى سيف أن « كل المسلمين فارس مؤد » « 1 » . وذلك قد يعني أن المشاة ينتمون إلى صفوف الأساورة والحمراء . وبقي سعد مع أكثر الجيش ، في المؤخرة على عادته ، لكنه كان يلحق بانتظام بالمقدمة . تكللت المرحلة الأولى في نرس « 2 » بنصر صغير على بصبهري . وفي بابل وهي المرحلة الثانية تجمعت بقايا القادسية ممن أفلت من القتل مع قادتهم وهم : النخيرجان ، ومهران الرازي ، والهرمزان ، والتحق بهم بصبهري ، وتولى عليهم الفيرزان قائدا أعلى ، وكان سابقا منافسا لرستم « 3 » ، واتضح بذلك العزم الفارسي على التصدي . ولم يعتقد زهرة أنه كان يستطيع هزمهم بمفرده ، فطلب المدد من سعد الذي وجه إليه عبد اللّه وشرحبيل ، ثم هاشما مع باقي الجيش الذي وصل بعد أن تم النصر « 4 » . كان نصرا سريعا ، تفرق بعده أكثر القادة الفرس ، فجارى كل واحد منهم أطماعه أو انساق وراء المصلحة المحلية للإقليم الذي كان يمثله . فعاد الهرمزان إلى الأهواز ، ورجع الفيرزان إلى نهاوند لاستغلال موارد هذا الإقليم . وبقي النخيرجان ومهران وحدهما للدفاع عن المدائن « 5 » . ويدل تفكك القيادة هذا على عدة عوامل ، منها أن السلطة الملكية تلاشت تماما أو كادت ، وأن الإقليمية عادت إلى الظهور في عالم إيراني منحلّ مهدد ، وقد تأكدت دون شك حال انفجار أزمة الخلافة على الملك ، وبلغت طلائع الجيش العربي بهرسير غرب دجلة بعد صدام قصير في كوثى . وتجدد المشهد ذاته في مواطن القتال الأخرى إذ حالما وصل زهرة مع مقدمة الجيش إلى ساباط ، طلب دهقانها الصلح ، بعد أن قضى زهرة على الكتيبة الخاصة لكسرى بوران ، ولحق به هاشم وخاض القتال « 6 » ، وأخيرا وصل جميع الفرسان المرافقين لسعد أمام بهرسير وضربوا عليها حصارا دام شهرين ( أواخر سنة 15 وبداية سنة 16 من الهجرة ) « 7 » . وخلال هذا الحصار اكتسح الجيش العربي السواد فيما بين الفرات ودجلة ، ولعل الاتفاق قد تم أثناءه بخصوص وضع الفلاحين وأراضي هذه المنطقة .
--> ( 1 ) المرجع نفسه ، ج 3 ، ص 619 . ( 2 ) خليفة بن خياط ، التاريخ ، ج 1 ، ص 103 ، لا برس بالباء كما جاء بطبعة القاهرة ل تاريخ الطبري ، ج 3 ، ص 619 . ذكر خليفة أن الطريق المسلوكة هي نرس - دير كعب - كوثى . وقد ذكر البلاذري مرتين كوثى وساباط : فتوح البلدان ، ص 262 - 263 ، لكن لم يتحدث أي واحد منهما عن بابل . ( 3 ) الطبري ، ج 3 ، ص 620 . ( 4 ) المرجع نفسه ، ج 3 ، ص 619 . ( 5 ) الطبري ، ج 3 ، ص 620 . في الامكان أن يكون لكل قائد جيش خاص به . ( 6 ) الطبري ، ج 3 ، ص 622 - 623 ؛ فتوح البلدان ، ص 262 . ( 7 ) الطبري ، ج 4 ، ص 5 ؛ فتوح البلدان ، ص 262 ، حيث جاء في رواية غير مقبولة أن الحصار استمر مدة تتراوح بين تسعة أشهر وثمانية عشر شهرا . والملاحظ أن الملك كان بالمدائن آنذاك .